بسم الله الرحمن الرحيم

 

الله ليس مهندساً

 

نبيـل الكرخي

تحدثت ذات مرة مع احد الاخوة وهو فيما يبدو متأثر بفكرة الماسون الاكبر الذي بنى الكون ومنه اشتقت اسم الماسونية ، فقال ان الله سبحانه هو المهندس الاعظم لهذا الكون فهو الذي نظمه وشكله بهذا النظام العجيب ... ولكن الوقت لم يتسع حينذاك لمناقشة الاخ المذكور حول استخدامه لكلمة مهندس في وصف الله سبحانه وتعالى ...
وفي المقابل هناك شخص آخر استخدم وصف المهندس للذات الالهيـة ولكن على نحو الاساءة ! نعم فذلك الشخص كان يتصور ان الكون غير مبني على نظام هندسي موزون وان هناك عناصر كثيرة غير ذات فائدة مثل الصحارى حيث ان الارض ليست كلها نباتات واعشاب واشجار ! كما يتصور ان الرسالات السماوية قد فشلت في مهمتها لأن غالبية البشر هم من غير الموحدين كما ورد ذلك في القرآن الكريم ، كقوله تعالى: ((وما اكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين)) !؟
وفي الحقيقة اجد ان كلا هذين الشخصين هما مخطئين ، أما الاول فهو مخطيء من جهة واحدة هي وصفه الله تعالى بانه مهندس ، وأما الثاني فهو مخطيء من جهتين الاولى وصفه الله تعالى ايضاً بانه مهندس والثانية تصوره ان الكون مبني بنظام هندسي غير موزون.
فأما عدم جواز وصف الله عزَّ وجل بأنه مهندس فذلك لأن المهندس يتعامل مع بناءه بعوامل ثلاثة هي الوقت والكلفة والنوعية ، اما الله سبحانه فلا تضيره كلفة او نوعية وانما امره اذا اراد شيئاً ان يقول له كن فيكون ، بلا كلفة ، وبالنوعية التي يريدها سبحانه وما تحكم بها حكمته البالغة ، فترى الجميل والقبيح ، والسليم والمريض ...الخ ، واما الزمن فكما هو معلوم بعيد عن الموضوع ومستغنى عنه لأن كن فيكون تعني ان الزمن يساوي صفر. فالله سبحانه ليس مهندساً ولا ينبغي لجلاله ذلك. ومن جهة اخرى فإنَّ الله سبحانه قد خلق الكون ومنه خلقه للشفاء فهو المشافي والمعافي ، فالله سبحانه لم يخلق الجبال والبحار فحسب ، بل خلق كل شيء ، فهل يصح ان يوصف الطبيب بانه مهندس الامراض او مهندس الشفاء ؟! انه منطق غير مقبول.
واما تصوره بأن الصحارى غير ذات فائدة وتفضيله بان تكون الارض كلها نباتات واشجار ، فهذا تصور بعيد عن العلم وما توصل اليه من فوائد كثيرة للصحارى اهمها حفظ التوازن الحراري للكرة الارضية.
وأيضاً تخيلو لو كانت كل الارض مزروعة وخضراء ، فمن اين سوف نأتي بالرمل اللازم للبناء ؟ زمن اين سناتي بالاحجار اللازمة لتثبيت خطوط السكة الحديد !؟ بل لو كانت الارض كلها خضراء فمعنى ذلك انعدام وجود الجبال لأن النباتات والاشجار لا تنمو على الصخور ، فتكون الارض كلها منبسطة وسهلة وبذلك ستفقد الانهار مصادر مياهها لأنها تنبع من الجبال وتتغذى من ذوبان ثلوج الجبال الرواسي. لإإذا جفت الانهار او قلت مياهها فكيف سنوفر المياه لتلك المساحات الخضراء الشاسعة وكيف سنضمن عدم تحولها الى صحراء ؟!
ولو كانت كل الارض خضراء فمعنى ذلك ان جو الارض يجب ان يتغير ليلائم طبيعة النباتات ، فكيف يمكن لجو الارض ان يكون على نسق واحد رغم ان الارض كروية واشعة الشمس تسقط بزوايا مختلفة عليها ؟ هل يريد المعترض على خلق الله تعالى ان تكون الارض منبسطة وليست كروية ؟ تخيلوا ان تكون الارض بهيئة مستطيل في الفضاء !! انها فكرة حمقاء فعلاً !! ان البعض لا يدرك ان الكون له قوانينه الخاصة وانه موزون بنسق عجيب يحفظ توازنه.
وتخيلو لو ان الارض كلها خضراء وانها تستهلك الاوكسجين طيلة النهار بعملية البناء الضوئي وتحوله الى ثاني اوكسيد الكاربون فمن اين سيجد الانسان الاوكسجين اللازم للاستنشاق في النهار ؟! وفي الليل سوف يقوم النبات بانتاج الاوكسجين بكميات كبيرة مما يسبب خللاً في نسبته ضمن مكونات الهواء مما يعني حدوث اضطراب في الحياة البشرية.
من كل ذلك يتضح ان البعض يعترض على الارادة الالهية نتيجة الافتقار الى الايمان من جهة ونتيجة الجهل بالحقائق العلمية ونتائج البحوث والدراسات المستفيضة لمناخ والظواهر الطبيعية والجغرافيا من جهة اخرى !
واما القول بأن معظم الناس كافرين بنص القرآن الكريم ؟! وان ذلك يدل على فشل الرسالات السماوية !؟ فهو امر بعيد عن مقاصد القرآن الكريم. الم يقرأ في القرآن العظيم ان الملائكة قالت لله سبحانه حينما اخبرها بقرار خلقه للبشرية ، قالت: (اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) ، لقد كان معلوماً منذ البداية ان الفساد وسفك الدماء والالحاد والكفر سينتشر ، ولكن الله سبحانه له حكمة بالغة ، والقرآن الكريم نفسه يقول بان اكثر اهل الارض هم من الكافرين ، فالمسالة ليست سراً ، ولا تتعارض مع التوحيد ولا النبوة ، بل هي سنة كونية من سنن الله عزَّ وجل في خلقه ، والا فمن قال ان الاسلام جاء أو ان الانبياء قد بعثوا ليكون اكثر اهل الا رض من الاتقياء والمؤمنين ؟! من قال هذا ؟ هل يوجد نص في القرآن او السنة يبين هذا ؟ طبعا لا ، اذن لم تكن مشيئة الله سبحانه تتجه ليكون جميع اهل الارض مسلمين. الم يبدأ الخلق بنبي واحد هو آدم (عليه السلام) ابو البشر ثم تكاثروا ليصبحوا الاكثرية الكافرة في زمن النبي نوح (عليه السلام) ثم انقرضوا جميعا بالطوفان وعادت البشرية من جديد من ذرية رجل واحد هو النبي نوح (عليه السلام) ثم تكاثروا واصبحت الاغلبية من الكافرين ، ومن جديد تكرر نفس المشهد. اذن ليس كونهم ـ اي الكافرين ـ اكثرية اهل الارض من باب المصادفة بل هو تقدير الهي للامر كله وسنة من سنن الله سبحانه في خلقه. فالله سبحانه لم يجبر اهل الارض على عدم الايمان ولا على الكفر ، بل ترك لهم حرية الاختيار ، (وهديناه النجدين) ، ولكن ضلال هؤلاء الناس الذين يمثلون الاكثرية هو من نتاج اغواء ابليس (لعنه الله) ، فابليس تمكن من ان يحرف عقيدة اكثرية اهل الارض نحو الكفر ، "الا عباد الله المخلصين" كما يشير القرآن الكريم. فمنذ البدء اعلن ابليس اللعين عن فشله ، منذ اول لحظة حينما قال: (فبعزتك لأغوينهم اجمعين الا عبادك منهم المخلصين) ، فمنذ البداية كان مقرراً ان هناك مخلصين سيقودون الانسانية وقد اعلن ابليس عن عجزه عن اغوائهم ، ومنذ البداية جعل الله سبحانه اولئك المخلصين قادة للبشرية وان انتشر فيها الذين يغويهم الشيطان ، فلم يكن هدف الشيطان اغواء المخلصين ولا يتمكن اصلاً من ذلك كما لم يكن هدف الله سبحانه ان يكون خليفته من اولئك الضالين ، إذن لا توجد مشكلة اذ لا تقاطع بين الامرين. فليزدد اهل الارض كفراً وضلالاً ، لأن خلفاء الله سبحانه هم بعيدون وناؤون عن الكفر والضلال ولا يتمكن ابليس من اغوائهم قطعاً بل هو نفسه اعلن عجزه عن ذلك منذ البداية كما اسلفنا.
وهكذا ظهر عدد كبير من المخلصين هم اكثر من 144 الالف انسان واعني بهم الانبياء والائمة ، حجج الله سبحانه وايضاً ظهر مليارات البشر من الكافرين.
وماذا اذا اصبح اكثر اهل الارض من الضالين ، لن يؤثر ذلك شيئاً ، لأن الشريعة هي شريعة الهية والانبياء منصبون من قبل الله تعالى ، والكتاب السماوي هو كلام الله سبحانه. فكل شيء في جبهة الحق هو متصل بالله سبحانه وعائد اليه جلَّ وعلا.
وفي الحقيقة لدي فكرة كونتها عن هذا الموضوع ، ولا ازعم انهما تمثل وجهة النظر الاسلامية ، انما هي افكار انسان يبحث عن الصواب وتفسير الامور ومجريات الحياة تفسيراً صحيحاً ، ولا اجرأ ان اقول انها الصواب انما هي مجرد فكرة وخاطرة خطرت لي وانا ارى الصراع الانساني بين من يرفع راية الاسلام والولاء له وبين من يعاديه ويعادي اهله ويحاول ان يستعيض عن منهجه بمنهج اطلاق يد الناس ليختاروا حكامهم وفقاً لأهوائهم ورغباتهم فيصبح الحكم هو للشعب وليس لله عزَّ وجل ! وبين هذين الصراعين : صراع الموالين للاسلام مع الموالين للاكثرية وان فسدت ! وهو ما يسمى بالديمقراطية الغربية إنْ صح التعبير. فاجد ان الله سبحانه سمح بان يكون اكثرية اهل الارض من الضالين حتى يسقط مفهوم حكم الاغلبية ، والافكار الديمقراطية الغربية ، لأنه لا بد للناس من حجة ومحور يدورون حوله ، وهذا المحور هو من المخلصين الذين لم يتمكن ابليس عليه اللعنة من اغوائهم ، فالقيادة هي للاصلح وليس للأكثر شعبية ! والله سبحانه هو القادر على تشخيص المصلحة وتقرير من هو الاصلح لقيادة الانسانية ، وقد فعل ذلك من خلال تنصيبه الانبياء والائمة (صلوات الله عليهم). فمفهوم الاكثرية الضالة اسقط المفهوم الديمقراطي الغربي ونصر مفهوم الديمقراطية المقيدة بقيادة وتقرير الاصلح المختار من قبل الله سبحانه. والاصلح المختار هو داعٍ الى دين الله سبحانه وعبادته متخذاً اعمار الارض بما يمتلك من علوم الهية مستودعة فيه وسيلة لتحقيق السعادة للانسانية ، ولذلك تميز اهل البيت (عليهم السلام) بانهم اعلم اهل الارض ، ومن هذا يتضح أنَّ الخسارة التي منيت بها الانسانية بعد السقيفة لا تتمثل فقط بإنشاء نظام طاغوتي يحكم الناس وسيادة الظلم والجور وتحريف دين الله سبحانه ، بل تمثل ايضاً بمنع الناس من الحصول على التقدم العلمي والحضاري لعدة مئات من القرون ، حيث انه بولاية آل البيت (عليهم السلام) المنصبين من قبل الله تعالى كان يمكن للانسانية ان تقطع اشواطاً واسعة من التقدم العلمي وان تصل الى ماوصلت اليه اليوم منذ قرون ماضية ، ولكن مؤامرة السقيفة تلك كان لها اثر ملموس وهو سلب الحكم من اهله ، ولها اثر عميق يتمثل بسلب الانسانية خيراً عظيماً كان يمكن ان تنعم به متمثلاً بتقدم علمي وحضاري اصبح مغيّباً الان.


 

الصفحة الرئيسية